أخبار الموقع

فرصة ثانية

ادعى جاجيب ديلون (جاجي) ، وانا لست شخص متدين بعكس والدتي في شديدة التدين . ولدت في مدينة لندن في بيت ذو تقاليد هندية بالرغم من ان والداي اصبحا بعيدين عن موطنهما اﻻصلي . والدتي والتي ادعوها (ماتي) ام بنجابية بمعنى الكلمة فهي تحظنني كثيرا وتملىء معدتي بالطعام دائما في كل فرصة تسنح لها مثل كل البنجابيات . وكطفل بنجابي نشأت ﻻتعلم الكثير عن اﻻستعارات الهندية في الكﻻم حتى ان والدتي ارسلتني الى مدرسة خاصة لتعلم الكتابة البنجابية اﻻمر الذي شكل صعوبة لي بين مدرستي وتمارين كرة القدم ، ولكني لم اتخلف عن حضور دروسي أبداً . وفي احد اﻻيام اخفقت في احد امتحانات اللغة وقال لي استاذي : " بني ! ﻻ تقلق فجميعنا يخطىء في لحظة ما والله تعالى يهبنا فرصة اخرى لتصحيح ذلك ." كانت امي تكرر نفس هذة الجملة دائماً وانا اعلم تماماً ما تعنيه غير اني ﻻ اؤمن بذلك حقاً ، فهل يؤمن احد بأن الله يعطينا فرصة اخرى ، بالنسبة لي فاﻷجابة بالنفي . إﻻ انني وفي اﻻخير اختبرت ذلك بنفسي وكأنه كالحلم الذي لم اخبر عنه احد .. لماذا تغيرت بهذا الشكل الكبير وتخليت عن افضل شخص بحياتي . ولكني اكثر راحة اﻻن واريد ان احكي قصتي ﻻحد ما .

ما حدث لي في ذلك اليوم يعود الى خمس سنوات مضت عندما استيقضت في احد اﻻيام باكرا من فراشي الساعة السادسة صباحاً وغسلت اسناني ثم القيت نظرة الى الخاتم فوق الطاولة بجانب السرير داخل شقتي الجديدة التي اعيش فيها بعيدا عن اهلي غير انها كانت بجانب البنك الذي اعمل فيه . مازالت اتذكر اليوم الذي تركت فيه المنزل وبكاء أمي يملأ البيت على فراقي .. اﻻن استطيع اﻻعتماد على نفسي واعيش مستقﻻ ، لم افهم لماذا لم تتقبل والدتي هذا اﻻمر فأنا لم اعد صغيرا . 

انا اﻻن في شقتي الجديدة .. لم استطع النوم البارحة ، ليس بسبب فراقي لوالدي ولكن بسبب حب حياتي (ناف) التي تعرفت عليها قبل خمس سنوات ووقعنا في الحب ليس ﻻني اخترتها ولكنها كانت الفتاة البنجابيةالوحيدة في الجامعة وربما كانت طبيعتها فهي ﻻ ترفض اي شيء اقوم به وهذا ما اعجبني فيها .. لقد احببت جمال عينيها الواسعتين وشعرها الشديد السواد ، واتذكر اليوم الذي قابلتها فيه عندما اندفعت مصطدما بها في احدى قاعات الجامعة ، يومها دعتني ب( كنجار ) بالبنجابي ، كان وقع الكلمة كالموسيقى في اذني بالرغممن ان فيها اساءة لي فقد اعتبرتني شخص يائس بليد اصطدم بها . ووقعت في حبها من اللحظة الأولى واصبحنا اصدقاء واﻻن سأطلبها للزواج حتى اني اشتريت لها الخاتم بمساعدة من اعز اصدقائي ( هاري ) الذي كان مسرورا لذلك . 

نظرت بلهفة الى الخاتم بجانب السرير وانا ﻻ استطيع اﻻنتظار حتى اقدمه لها .. خرجت من الشقة في السابعة متشوقا ﻻصل بسرعة حتى اني قدت مسرعا ولفت نظري احد المتسولين جالسا في أحد اﻻزقة ، انه لمن الغريب ان ترى مثل هؤﻻء في منطقة راقية كهذه .مررت بالقرب منه فأذا به يشير الي بأصبعيه اشارة السلام ، عندها توقفت وابتسمت له واعطيته بعض النقود واستمريت في طريقي .

مرت نصف ساعة وانا مشغول باﻻستعداد للحدث واردت ان ابدو بمظهر ﻻئق أمامها وكنت قد اتصلت بها للقائي في المكان الذي انا فيه لنتناول طعام اﻻفطار معا وهو اول مكان دعيتها اليه حين تعارفنا في الكلية . اشتريت لها بعض الزهور والغريب اني ﻻحظت ذلك المتسول مرة اخرى يشير الي مسلماً بنفس الحركة من اصبعيه ، رديت عليه السﻻم بنفس إشارته وانا ابحث عن موقف للسيارة بدون جدوى فأضطريت الى ركنها مسافة بعيدة والعودة سيرا على اﻻقدام لمكان اللقاء . كانت الساعة التاسعة اﻻ ربع ورأيت ناف في الشارع المقابل وهي تلوح بيدها فعبرت الشارع متجها اليها وفجأه جاءت سيارة من اﻻتجاه المقابل مسرعة نحوي ، لم ادري بشيء اﻻ وانا ممد على الطريق بدون حراك وانا انزف وعيناي معلقتان على ناف التي تنظر الي بهذة الحالة والرعب يملأ عيناها وهي تبكي ولكنها لم تتقدم نحوي بل ركضت بعيداً خائفة .

علمت انني لن انجو وأنها النهاية ولم اعد اشعر بأسفل جسدي وانا ملقى وسط بركة من الدماء على الطريق والشيء الوحيد الذي كان يشغل تفكيري عدم قدرتي اخبارها بمدى حبي لها وكم تعني لي .. ثم اغمضت عيناي وأنا اتسائل ماذا يحدث فقد كان الظﻻم حالك . هل أنا ميت ؟ هل نجوت من الحادث ؟ كيف حدث هذا .. كيف لي ان انجو ولماذا ﻻ اشعر بشيء ، استطيع سماع شخص يبكي إنها فتاة احبها كثيرا . فتحت عيناي فأضاء كل شيء امامي .. اين انا ؟ .. ثم وقعت عيناي على وشاحها اﻻحمر اني اتذكر ذلك الوشاح اهديته لناف في حفلة رأس السنة . انا في شقتها وشعرت بنفسي كفقاعة تطير في الهواء ، نظرت الى ناف وهي على اﻻريكة وبجانبها صديقي هاري وهي بين ذراعيه ومددت يدي ﻻلمسها ولكنها عبرت خﻻل جسدها دون ان تحس بي وكأنهما ﻻ يرياني ولكني كنت مرتاحا انني محظوظ فلدي صديق يهتم بحبيبتي في غيابي ويواسيها ذلك يشعرني بالفخر .. اﻻ ان ذلك الشعور لم يدم طويﻻ فقد تحطمت تلك الصورة بسرعة وانا انظر له وهو يقبلها بشفتيها وانا اقف في ذهول ، اردت ان الكمهما بقوة في تلك اللحظة ولكني لم استطع فأنا لست اكثر من فقاعة في الهواء بدون جسد ﻻ ادري هل انا شبح ام روح هائمة تنظراليهم يمارسان الحب وقلبي يعتصر من الحزن .

نهض هاري واقفا وهو يقول : " انني اشعر بالذنب ! جاجي مات هذا الصباح ، وها انا ذا اخونه مع صديقته ." نظرت اليه ناف بإستغراب ثم قالت شيء ﻻ استطيع ان اصدقه أبداً مدى حياتي : " لماذا تشعر بالذنب اﻻن ونحن على عﻻقة منذ سنتين ؟" . لم اصدق ما تسمعه اذناي ، كنت مصدوما وانا اسمعهما يتحدثان حتى اكتملت كل القصة امامي ، لقد كانت ناف تخدعني طوال تلك الفترة ومع من .. مع افضل صديق لي ، كنت حزيناً جداً والغضب يملأ كياني ، كيف استطاعوا خداعي كل ذلك الوقت .. ربما كان علي ان اموت ﻷعلم كل ذلك ، انه عقابي على غبائي لقد كنت اعمى البصيرة عما يحدث حولي.

أمضيت بضعة ايام اراقبهم وهم يتبادﻻن الحب وعندما حضرا مراسيم جنازتي وهناك رأيت والداي ، كانت امي تبكي بحرقة ونظرات الحزن في عيني ابي واحسيت بمدى المحبة التي احضى بها عندهما وقلبي ينفطر لهذا المشهد .. ثم وقعت عيناي على المتسول نفسه واقفاً هناك مبتسما وهو يشير الي بنفس التحية ، وسئلت نفسي هل يستطيع رؤيتي .. تقدمت نحوه وانا افكر بذلك ولكنه ابتسم لي وانطلق ماشيا وانا اتبعه الى ان وصل الى الكنيسة وهناك اشترى سندويتش من احد الباعة المتجولين وجلس يأكله على درج الكنيسة ..نظرت اليه عن قرب ولكنه لم يتوقف عن اﻻكل ، ربما كنت متوهما .. ولكنه فجأة سئلني : " ما هي مشكلتك يا هذا ؟ ربما انت روح او شبح ، أبعد وجهك عني ." 

كنت مندهش فهو يستطيع رؤيتي ، وبعد اكماله الطعام نظر الي قائﻻ: " ماذا تريد اﻻن ؟" واشار الي بيده ان اسكت وهو يقول بصوت خافت : " الناس يعتقدون انني مجنون واكلم نفسي ، واذا رأوني على هذه الحالة ستكون نهايتي في مصحة للمختلين عقلياً ." 

يا الهي كم انا تائه ولكني اريد مساعدته لي .. الحيت عليه كثيرا الى ان قرر ان يساعدني . اخبرني بأني لست شبح ، وعندما قلت له كيف أرى الناس قال اني اﻻن في العالم الوسطي وأصبحت روحا والوسيط الروحي الخاص بي هو ناف لذلك كنت في شقتها اول مرة ، وسأبقى على هذه الحالة ﻻن امنيتي اﻷخيرة لم تتحقق وهي ان اخبرها بمدى حبي لها ، ولكن الحب تحول الى غضب اﻻن وخيبة امل كبيرة .. بعد اخباره قصتي سئلني ان كنت ارغب في اﻻنتقام فسوف يعلمني كيف انتقل الىالى جسد اي شخص اريده .. وطلب مني ان اعطيه النقود بعد ان يريني كيف اقوم بذلك . 

كنا قريبين من البنك وأخبرني ان عليا ان المس الشخص الذي اريد ان املك جسده وفي نفس الوقت اتذكر كيف تعرفت عليه اول مرة .. دخلت البنك وتقدمت نحو هاري كي استولي على جسده وتذكرت وانا المسه كيف التقينا اول مرة في رحلة الجامعة واصبحنا حينها اصدقاء . نجحت الحيلة واصبحت داخل جسد هاري واعطيت محفظته كلها للمتسول وانطلقت خارجاً من البنك واخذت سيارة هاري واتصلت بناف واخبرتها اني سأمر ﻷخذها والذهاب الى بيتها ﻻني اريدها في موضوع مهم . نظرت الي وهي تدخل السيارة وقد احست بشيء متغير في طريقة كﻻمي .

كانت خطتي كما اتفقت مع المتسول ان اقوم باﻻنتحار بعد قتل ناف خﻻل 12 ساعة ﻻنني لن استطيع اﻻحتفاض بجسد هاري اكثر من ذلك . كانت الفكرة رائعة بالنسبة لي ، وصلنا الى بيتها واجلستها على اﻻريكة ثم ذهبت الى المطبخ ﻻجلب السكين وعندما عدت اليها توقفت فجأة امامها وكل الذكريات التي كانت بيننا تمر في مخيلتي . نظرت ناف الي مندهشة : " ماذا تريد أن تفعل بهذه السكين ." ثم ﻻحظت عيناي الحمراوتين وطريقة امساكي للسكين فأدركت ما اريد القيام به وهي تسئلني بخوف : " هاري ! هل انت على ما يرام ؟ " هززت رأسي بالنفي وانا اتقدم نحوها فصرخت : " هل تريد ان تقتلني ؟ " ورأيت الدموع تتساقط من عينيها وهي تقول : " ولكن لماذا ؟ انني احبك ." ولوهلة بأت افكر هل انا الشخص السيء في هذه القصة ، ربما انا الذي اقحمت نفسي بينهما ولم اعلم بمدى حبهما لبعضهما البعض وقد اكون سبب تعاستهما في الفترة السابقة .. هل اخفيا الحقيقة عني كي ﻻ يجرحاني ... كنت غاضبا جدا ولكن صوتاً بداخلي يقول اتركها وأرحل ، وعندها سقط جسد هاري وهربت من بيتها اهيم في الشوارع الى ان رأيت ذلك المتسول بأبتسامته المعتادة ، اقتربت منه ﻻحدثه ولكن الدنيا دارت بي ولم ادري بشيء سوى الظﻻم الحالك من حولي .. فجأة فتحت عيني مرة اخرى ورأيت المتسول يبتسم ، هل كنت أحلم .. نظرت الى الساعة في يدي فأذا به نفس اليوم والوقت الذي وقع الحادث فيه وتسبب بموتي . وفي تلك اللحظة انتبهت الى الزهور في يدي وانا أعبر الشارع وناف في الجهة اﻻخرى  تلوح بيدها وانا ابتسم لها بإرتباك كل شيء مطابق لما حدث سابقاً وتذكرت كيف وقع الحادث ولكن هذه المرة وفي اللحظة اﻻخيرة قفزت مبتعدا عن مسار السيارة المسرعة ولم أصب بشيء . تقدمت الى ناف محدقا في وجهها فقبلتني على خدي وهي تسئلني : " الن نذهب لتناول اﻻفطار ؟ هل هذه اﻻزهار لي ؟" نظرت اليها وقد عادت كل اﻻحداث لذاكرتي ثم قلت : " ﻻ ! هذه اﻻزهار ليست لك ." ثم اضهرت لها الخاتم وهي مندهشة لرؤيته ، وقبل ان تسئلني قلت لها بسخرية : " وهذا أيضاً ليس لك ." وبحركة سريعة رميت اﻻزهار والخاتم بقوة على صدرها وانا اشير لها بأصبعي الوسطى واقول : " كﻻكما وغدان وحقيران ." وانطلقت الى سيارتي وانا واثق من انها تعرف ماذا اقصد بكﻻمي .

وصلت الى مكتبي في البنك وﻻحظت هاري قادم نحوي وهو يبتسم وبحركة سريعة سحبت الكيبورد وضربته على وجهه مباشرةً ثم ركلته بين قدميه فسقط على اﻻرض والدماء تسيل من انفه وانا اصرخ : " ايها السافل اني اعرف بأمرك انت وناف ، ابتعد عني ﻻ اريد ان اراك بعد اليوم ." وخرجت مسرعاً من البنك عائداً بسيارتي الى بيتي القديم وعندما قرعت جرس الباب فتحت لي امي وامتلأ وجهها بالفرح لرؤيتي .. حضنتها لدقيقة وقد احست انني في مشكلة وسألتني : " هل هناك مشكلة يا حبيبي الغالي ؟" اجبتها بالنفي وطلبت منها ان نذهب الى الكنيسة فنظرت الي بأستغراب : " لماذا ؟" قلت لها : " دعينا فقط نذهب يا أمي " 

ذهبنا الى الكنيسة وشكرت الله كثيرا على اﻻحداث الغربية التي مررت بها .. اما ناف وهاري فقد اعترفا بعﻻقتهما التي اخفياها عني ولم اكلمهما بعد ذلك ولم يعودا ذات اهمية بالنسبة لحياتي القادمة بعد ان حضيت من الله بفرصة أخرى .


في تل

ليست هناك تعليقات